من الحلبة إلى الهوية.. قصة "نسيم حامد" تعيد طرح أسئلة حول العنصرية في الرياضة
من الحلبة إلى الهوية.. قصة "نسيم حامد" تعيد طرح أسئلة حول العنصرية في الرياضة
أعادت صحيفة "الغارديان" فتح مسار حقوقي معقد في سيرة الملاكم البريطاني السابق نسيم حامد، ليس فقط من زاوية الرياضة أو السينما، بل من زاوية الهوية والتمثيل والانتماء والعنصرية التي أحاطت بمسيرته منذ الطفولة وحتى ما بعد الاعتزال.
وتعرض الصحيفة لقاءً مطولاً معه عنوانه: "للعالم أجمع أن يفكر كما يشاء"، حيث يتحدث فيه حامد عن الملاكمة والعنصرية وأكبر ندم في حياته، في وقت يخرج فيه فيلم "العملاق" إلى دور السينما البريطانية مُجسداً العلاقة المتوترة بينه وبين مدربه الراحل بريندان إنجل.
تُقدّم الغارديان صورة افتتاحية تُظهر نسيم حامد وقد تجاوز الخمسين من عمره، يتمتع بهيبة ووقار، قبل أن يتوقف للحظة ذات مغزى على مقعد مريح، وهو يستعيد مسيرة بدأت في عمر السابعة داخل صالة تدريب في شيفيلد، وانتهت بتحوله إلى بطل عالمي قبل ثلاثين عاماً، مُغيراً وجه الملاكمة البريطانية بحضوره المسرحي وموهبته الفذة.
يستعيد حامد لحظة دخوله الأولى لصالة إنجل الرياضية، حيث يقول: "منذ اللحظة التي دخلت فيها أبواب نادي الملاكمة، عرفتُ كل شيء"، قبل أن يصف الحلبة وأكياس اللكم والخطوط على الأرض، وينتابه شغف فوري بها.. ويضيف أن الملاكمة كانت بالنسبة له "لعبة مطاردة".
وفي إطار سردي طويل، يتحدث عن أول مشاهدا له على الحلبة عام 1992 عندما كان يبلغ الثامنة عشرة من عمره، حيث أطاح بشون نورمان بالضربة القاضية في جولتين، مُقدماً نفسه مقاتلاً يافعاً بوجه بريء وابتسامة عريضة تُذكّر بالعروض الاستعراضية، وبعد عامين فقط، في مايو 1994، تُوّج بطلاً لأوروبا في وزن الديك في مباراته الاحترافية الثانية عشرة، حين أطاح بالإيطالي فينتشنزو بيلكاسترو الذي لم يسبق له السقوط أرضاً من قبل.
عنصرية وتمثيل
وتسلط الصحيفة الضوء على ردود فعل النقد الرياضي آنذاك، حيث وصف كاتب الملاكمة الشهير هيو ماكلفاني حامد بأنه "موهبة فذة" يجمع بين القسوة والمهارة، رغم انتقاده الشديد لما عدّه قسوة زائدة في التعامل مع الخصم.
وتُظهر الدور المحوري للمدرب الأيرلندي بريندان إنجل الذي بدأ تدريب حامد وهو في السابعة من عمره، ووعده أن يكون أحد أعظم الملاكمين في التاريخ، وهو ما صدَّقه النسيم الشاب تصديقاً تاماً.
وتنتقل الصحيفة إلى فيلم "العملاق" الذي يلعب فيه أمير المصري دور نسيم، وبيرس بروسنان دور إنجل، مركزة على العلاقة المعقدة بينهما وكيف كشف المال والشهرة عن ضغائن دفينة.
ويعترف حامد بأنه شاهد الفيلم "بمشاعر مختلطة"، وهو اعتراف يضيف بعداً إنسانياً على سرد العلاقة بين الرياضي ومدربه.
وكيف كان صعود حامد محمّلاً بدلالات ثقافية وهوياتية الحساسة، إذ كان أول ملاكم بريطاني بارز لا ينتمي إلى العرق الأبيض أو الأسود، ما عرضه لسخرية عنصرية ووصفه زوراً بأنه "الملاكم الآسيوي المحترف الوحيد" في البلاد.
وفي مقابلة أجريت معه عام 1994، قال حامد: "أنا مسلم، من اليمن، لكنني ولدت وترعرعت في شيفيلد.. هذا يُخبرك كل ما تحتاج إلى معرفته عني"، وهو تعريف حاسم للهوية جاء على خلفية تصورات عنصرية سائدة آنذاك.
وتستعيد الصحيفة مشاهد من يوركشاير في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الجبهة الوطنية في أوج نشاطها، وحيث لم يكن من المجدي أن يكون الفتى عربياً صغيراً، وتروي قصة إنجل عن رؤيته الأولى لنسيم وهو يقاتل ثلاثة فتيان أكبر منه، وكيف أدرك أن هذا الطفل "مقاتل شرس".
بعد آخر للتمييز
وتُضيف الغارديان بعداً آخر للتمييز، ليس فقط على أساس العرق بل على أساس المؤسسة الرياضية نفسها، حيث تقول إن سلطات الملاكمة كانت تكره بريندان إنجل لأنه كان أيرلندياً ويُخرّج ملاكمين بأسلوب قتالي مختلف عن بقية الملاكمين في البلاد، مُظهرةً أن التمييز كان يتقاطع بين هوية المدرب وهوية المتدرب.
وتعرض الصحيفة اعترافاً آخر لحامد حين يقول إنه شعر منذ البداية بأن "العالم كله ضدنا"، وأن المسؤولين الهواة جعلوا الأمر صعباً على الفريق منذ المراحل الأولى، ويضيف أنه كان يسعى لكسب المال لأسرته كابن لتاجر مهاجر يمني "لا يملك ثروة"، وأن من أعظم إنجازاته أنه استطاع تأمين حياة جديدة لأهله وإخوته وأبناء عمومته.
وتستعيد الغارديان هزيمته الوحيدة في أبريل 2001 أمام ماركو أنطونيو باريرا، وكيف توقفت علاقته بإنجل في ذروة مسيرته، قبل أن يتوفى المدرب عام 2018 دون أن يتحدثا.
ويقول حامد إنه لم يعتبر إنجل يوماً "أباً له"، رغم محاولات الأخير لإقناع الناس بذلك، كاشفاً أن رفضه ترك أسرته كان سبباً في تحولات حزينة في علاقتهما.
ومن جانبه، تفتح وكالة رويترز زاوية حقوقية أخرى متصلة بالعنصرية عبر بوابة فيلم "العملاق" أيضاً، حيث تُقدّم صعود حامد باعتباره مرتبطاً منذ البداية بمحاولة حماية الطفل من العنف العنصري في الشارع.
وتذكر الوكالة أن والدي حامد اليمنيين أرسلاه إلى صالة إنجل الرياضية في شيفيلد "لمواجهة التنمر العنصري" الذي كان يتعرض له، وأن موهبة نسيم ظهرت هناك وهو في السابعة من عمره.
الرواية والتمثيل
وتنقل رويترز تصريحات الممثلين المشاركين في الفيلم والمنتجين، حيث يُصرّح الممثل بيرس بروسنان بأن الفيلم "قصة رجلين طموحين للغاية"، في حين يصف المخرج روان أثال العمل بأنه "قصة حب متصدعة بين أب وابنه"، رغم رفض حامد هذا الإطار، إذ يقول في تصريح آخر إنه "ليس فيلماً عني"، بل فيلم عن "الأمير ومدربه"، مُعلناً أنه يعمل على سلسلة وثائقية عن حياته مع الممثل مارك والبيرغ، في محاولة لاستعادة روايته الخاصة.
وتُظهر هذه التفاصيل في مجموعها مدخلاً حقوقياً واضحاً إلى قضية حامد، ليس من زاوية العنصرية الفردية فحسب، بل من زاوية الهوية والتمثيل وحق السرد والاندماج في المجال العام، حيث تتحول الملاكمة إلى مجال تُدار فيه معارك الهوية بقدر ما تُدار فيه النزالات الرياضية.











